ابن عجيبة
203
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل العرفان ، كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلاوة الشهود والعيان ، واشكروا اللّه الكريم المنّان ، إن كنتم تخصونه بالعبادة والإحسان ، أو : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الصفاء ، ووقفوا مع الحدود وقوف أهل الوفاء ، كلوا من طيبات ما رزقناكم من ثمرات بساتين العلوم ، واشكروا للّه يزدكم من المواهب والمفهوم ، إن كنتم تعبدون الحي القيوم ، إنما حرم عليكم ما يعوقكم عن هذه المواهب ، أو ينزلكم عن منابر تلك المراتب ، كالميل إلى جيفة الدنيا ، أو الركون إلى متابعة الهوى ، أو تأخذون منها ما قصد به غير اللّه ، أو تقبضونها من يد غير اللّه . فمن اضطر إلى أخذ شئ من نجاستها ، فأخذ القدر الذي احتاج إليه منها ، دون التشوّف إلى ما زاد عليه ، غير قاصد بذلك شهوة ولا متعة ، فلا إثم عليه ، إن اللّه غفور رحيم . قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي اللّه عنه لما تكلم على الغنىّ باللّه ، قال : ( علامته هو الذي ترك الدنيا للخلق ، حتى لا يكون له فيها حق معهم ، إلا ما فضل عنهم من بعد اضطراره واحتياجه ، ويترك الآخرة لمولاه ، حتى لا يكون له فيها حق إلا النظر في وجه اللّه ، ويترك أيضا نفسه للّه حتى لا يكون فيها حق إلا حق مولاه ، ولا إرادة له إلا ما أراد مولاه ، ويكون كالغصن الرطب أينما مالت به الريح يلين ويميل معها ، ولا ينكر على الخلق حالا من أحوالهم ) . ه . ومن جملة ما ألحق بهذه المحرمات الرّشا وأكل أموال الناس بالباطل ، ولذلك ذكره اللّه تعالى بإثر ما أحلّه للمؤمنين ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 176 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) قلت : ( ما ) تعجيبة ، مبتدأ ، وهي نكرة ، وسوّغ الابتداء معنى التعجب ، وجملة ( أصبرهم ) خبر ، أي : أىّ شئ عظيم صيرّهم صابرين ، أو استفهامية ، أي : أىّ شئ حملهم على الصبر على النار ؟ .